ذبابة السماء!

عبد الحليم حمود 

هي بعوضة ضخمة أُعطيت شهادة دكتوراه في الإزعاج، تحوم في الفجر كما تحوم في الغروب، لتتحول مع الوقت إلى نشاز مرافق للحياة اليومية: إزعاج سيادي طويل، ممطوط، ممغوط.


الزنّانة لا تغيب عن الحارات والزواريب، تراقب كل شيء: الغسيل المعلّق، قبلات العشّاق، وحوارات الجدّات مع باعة الخضار. تلتقط «أم كامل» صوراً أكثر مما تلتقط عدسات المصورين في حفلات الزفاف.


في الأمن تُعتَبَر «خطرًا استراتيجيًا»، أمّا في الواقع فهي أكثر حضورًا من الدولة. تحلّق فوق بيروت، أو الضاحية، أو فوق قصر بعبدا، ضمن خطّة «حزّك مزّك».
ما أحقر صوتكِ أيتها المتنقوزة، يا مكنسة السماء الكهربائية. ما أسمجكِ وأنتِ تصيحين في الآذان مثل دجاجة في جنازة.


تبًّا لموتيركِ المبعوج، وداخونكِ المفجوج.
تراقبين النائمين كجندي متقاعدٍ مصابٍ بالزهق، وتحدّقين في وجوه الناس كما يحدّق محاسبٌ فاسد في كشفٍ مالي. تتجسّسين على المزارعين وهم يحصدون قمحهم، وعلى النساء وهنّ يسرّحن شعورهنّ، وعلى الأطفال وهم يخطّون أسماءهم على الدفاتر المدرسيّة.


حين تملّ «ذبابة السماء» من الوعظ الصوتي، تفتح بطنها المعدنية كأنها رحمٌ للبرق. يخرج منها الضوء القاتل، فيهبط الصاروخ على الأجساد، لننتقل من تفاهة الصوت إلى فظاعة الموت.


يا أنفَ إسرائيل الحشّور، كم مرةٍ انخفضتِ بلا سبب يا قليلة الأدب؟! مفتونة أنتِ بالموتوسكلات، والرابيد، ومهووسة بالجرّافات، والحفّارات.


كان يونغ سيعتبرك تجسيدًا هندسيًا للظلّ المكبوت في الإنسان الحديث: آلة تخاف من نفسها، وتستيقظ على كل ذبذبة شكّ. أنتِ الطائرة التي تحتاج علاجًا نفسيًا أكثر من هدفٍ عسكري، تتغذى من الشكّ وتعيش على الأدرينالين. العالم بالنسبـة لكِ ساحة ذعر معلّقة بين السماء والهاوية، وكل هبوطٍ هو احتمال انتحارٍ مؤجَّل.